عبد الوهاب بن علي السبكي

262

طبقات الشافعية الكبرى

وإني أوصيه أن يصرف هذا المهم همته وأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب ويراقب سريرته وقصده وهمته وأفعاله وأقواله وإصداره وإيراده أهي مقصورة على ما يقربه من الله تعالى ويوصله إلى سعادة الأبد أو هي مصروفة إلى ما يعمر دنياه ويصلحها له إصلاحا منغصا مشوبا بالكدورات مشحونا بالهموم والغموم ثم يختمها بالشقاوة والعياذ بالله فليفتح عن بصيرته لتنظر نفس ما قدمت لغد وليعلم أنه لا مشفق ولا ناظر لنفسه سواه وليتدبر ما هو بصدده فإن كان مشغولا بعمارة ضيعة فلينظر كم من قرة أهلكها الله تعالى وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها بعد عمارتها وإن كان مقبلا على استخراج ماء وعمارة نهر فليفكر كم من بئر معطلة وقصر مشيد بعد عمارتها وإن كان مهتما بتأسيس بناء فليتأمل كم من قصور مشيدة البنيان محكمة القواعد والأركان أظلمت بعد سكانها وإن كان معتنيا بعمارة الحدائق البساتين فليعتبر « كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة » الآية وليقرأ قوله « أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون »